ابن ميثم البحراني
70
شرح نهج البلاغة
ثمّ شرع في وصف حالهم في هديهم لسبيل اللَّه بأيّامه ، وهى كناية عن شدايده النازلة بالماضين من الأمم ، وأصله أنّها يقع في الأيّام ، ويحتمل أن يكون مجازا إطلاقا لاسم المحلّ على الحالّ ، ومقام اللَّه كناية عن عظمته وجلالته المستلزمة للهيبة والخوف . وشبّههم بالأدلَّة في الفلوات ، ووجه الشبه كونهم هادين لسبيل اللَّه كما تهدى الأدلَّة ، وكما أنّ الأدلَّة تحمد من أخذ القصد في الطريق طريقه وتبشّره بالنجاة ومن انحرف عنها يمينا وشمالا ذمّوا إليه طريقه وحذّروه من الهلكة كذلك الهداة إلى اللَّه من سلك سبيل اللَّه العدل إليه وقصد فيها حمدوا إليه طريقه وبشّروه بالنجاة من المهالك ، ومن انحرف عنها يمينا وشمالا : أي سلك أحد طرفي الإفراط والتفريط ذمّوا إليه مسلكه وحذّروه من الهلاك الأبديّ . وقوله : وكانوا كذلك . أي كما وصفناهم ، واستعار لفظ المصابيح باعتبار إضائتهم بكمالاتهم بطريق اللَّه ، ولفظ الأدلَّة باعتبار هداهم إلى الحقّ وتمييزه عن شبهاب الباطل . وقوله : وإن للذكر لأهلا . إلى قوله : أيّام الحياة . فأهله هو من ذكرنا أنّهم اشتغلوا به حتّى أحبّوا المذكور ونسوا ما عداه من المحبوبات الدنيويّة ، وإنّ من حبّ محبّة المذكور محبّة ذكره وملازمته حتّى اتّخذوه بدلا من متاع الدنيا وطيّباتها ولم يشغلهم عنه تجارة ولا بيع وقطعوا به أيّام حياتهم الدنيا . وقوله : ويهتفون . إلى قوله : ويتناهون عنه . إشارة إلى وجوه طاعتهم للَّه وعبادتهم له وهى من ثمرات الذكر ومحبّة المذكور لأنّ من أحبّ محبوبا سلك مسلكه ولم يخالف رسمه وكان له في ذلك الابتهاج واللذّة . وقوله : فكأنّما قطعوا . إلى قوله : عداتها . تشبيه لهم في ثقتهم باللَّه وبما جاءت به كتبه ورسله ، وتحقّقهم لأحوال القيامة ووعدها ووعيدها بعين اليقين عن قطع الدنيا من أحوال أهل البرزخ و